تجليات «دين الدولة» أو كيف أصبح الإسلام السياسي قابلاً للهزيمة

سادت لفترة طويلة قناعة بامتلاك الإسلام السياسي نفوذاً اجتماعياً وثقافياً فوق العادة.

وهي قناعة لم تقتصر فقط على الإسلاميين، بل أيضاً بين كثير ممن يصفون أنفسهم بالعلمانيين، الذين تورّطوا بتحالفات مع أنظمة قمعية وانقلابات عسكرية، على أساس أن الشعوب العربية والإسلامية غير مؤهلة للديمقراطية، لأنها ستمنح السلطة للإسلاميين في أي استحقاق انتخابي.

فيبقى الحل هو التعويل على قوة ضارية، الجيوش أو تحالف معيّن للأقليات المحاربة، للحفاظ على الكيان الوطني للدول، وبعض الحريات الفردية على مستوى الحياة اليومية.

من جهة أخرى راهن كثير من القوى ومراكز الدراسات الليبرالية، في الشرق والغرب، على الإسلاميين، فنفوذهم الثقافي الكبير بين الناس قد يكون رافعة للتحوّل الديمقراطي في العالم العربي، في حال تم إقناعهم بالموافقة على الحد الأدنى من أساسيات الديمقراطية: حقوق الإنسان، تداول السلطة، وشيء من حرية التعبير والحريات الفردية، بما لا يتعارض جذرياً مع احترام الهوية والخصوصية الثقافية الإسلامية.

كلا المنظورين اعتبر أن النزعة الإسلاموية غير قابلة للهزيمة سياسياً، على اعتبار أنها تقوم على نوع من الحتمية الثقافية: هنالك في ثقافة البشر وتقليدهم، في هذه البقعة من العالم، ما يجعل الإسلام السياسي ممثلاً طبيعياً لهم، ولذلك لا بد من تقويم تلك الثقافة دوماً بشكل عنيف؛ أو التفاوض معها على أساس تحقيق نوع من التسوية التاريخية: نعترف بحساسياتكم مقابل اعترافكم بحق غيركم في الوجود، مع احترام سيادة «الإسلام» الذي يبدو أن لا يحتاج تعريفاً حتى في المجال السياسي، حسب تلك الرؤيا.

بدايات الربيع العربي عززت هذه الأفكار، فالإسلاميون وصلوا للسلطة، أو صاروا عماد المعارضة المسلّحة، في معظم البلدان التي شهدت احتجاجات شعبية.

لكنّ شيئاً ما اختلف في ما بعد، فالإسلاميون لم يعودوا قادرين على تحقيق انتصارات انتخابية حاسمة في تونس؛ بينما أظهر جانب كبير من الشارع المصري عداءً بالغاً لهم، أعطى العسكر نوعاً من الشرعية الشعبية في انقلابهم عليهم؛ في حين كانت الثورة السودانية واضحة في مناهضتها لـ»الكيزان» أي تحالف العسكر والإسلاميين؛ قبل أن تأتي الانتخابات المغربية، لتحمل واحدة من أكبر الهزائم الشعبية والانتخابية للإسلاميين في تاريخهم، لا يمكن تفسيرها فقط بالتدخلات المحتملة لسلطة «المخزن».

فما الذي تغيّر؟ هل باتت الشعوب أكثر تنوّراً ووعياً، كما حلم العلمانيون دوماً؟ وهل عرفت الثقافة السائدة تحولاً جوهرياً بعد الظروف الصعبة، التي شهدتها المنطقة عقب الربيع العربي؟ أم أن الإسلام السياسي لم يكن أصلاً حتمية ثقافية – سياسية للدرجة التي ظنها أنصاره وخصومه؟ إذا كان لا بد من الحديث عن عوامل ثقافية وراء قوة الإسلام السياسي، فلا بد من محاولة إعادة ضبط بعض المفاهيم، ومنها «الثقافة الشعبية» وهي حتماً مفهوم حداثي، يقوم على وجود دولة أنشأت جماعة سياسية متعيّنة، ضمن حدود واضحة، تتمتع بحقوق ما على المستوى الدستوري النظري.

أي «الشعب» الذي لا يوجد بشكل بديهي أو طبيعي، بل يُبنى سياسياً، نتيجة تقاطع فعل القوة المباشرة والهيمنة الأيديولوجية؛ وإقصاء جماعات بشرية أخرى، داخلية وخارجية، تُعتبر «الآخر» بالنسبة لـ»الشعب».

قد يكون للإسلاموية مستقبل مأساوي نوعاً ما: أيديولوجيا تظلّم هوياتي، تشتكي دوماً من إقصاء الإسلام والمسلمين، وتهميشهما، وتقوم بأعمال عنيفة دورية للفت الانتباه، دون أي مطالب أو برامج سياسية واضحة.

وهذا قد يحفظ لها مكاناً بين أيديولوجيات التظلّم المعاصرة، لكنه لن يعيدها إلى مكانتها السابقة، بوصفها أيديولوجيا سائدة صعبة الهزيمة.

الأسطورة المُؤسِّسة هكذا تُنتج «الثقافة الشعبية» ضمن أجهزة أيديولوجية معينة، مثل المدارس والمؤسسات الثقافية والدينية الحديثة، المرتبطة بشكل أو بآخر، بجهاز الدولة.

وغالباً ما تُصاغ على أساس علمنة عناصر دينية، وإعادة إنتاج تفاصيل منتقاة من تراث جماعة ما، باعتبارها تمثّل «الروح القومية» للشعب، إضافةً لتشذيب وقوعدة لغة محكية معيّنة، لتصبح اللغة الرسمية للدولة، ولغة التعليم فيها.

وكثير من اللغات لم تكتسب خصائصها المعروفة وانتشارها الحالي إلا بفعل عمل الحركات والدول القومية.

بهذا المعنى يصبح عدد من العناصر الثقافية أسطورة مؤسِّسة للدولة وشرعيتها، إلى جانب عناصر أخرى أقل تراثية، مثل الثورة والحقوق الكونية، كما في الجمهورية الفرنسية؛ أو الحق في «السعي للسعادة» كما في «الحلم الأمريكي».

وبكل الأحوال يقوم بناء الأساطير المؤسسة للدول الحديثة على عملية علمنة، فحتى العناصر المستمدة من أصول لاهوتية ودينية، يجب أن تصبح قابلة للتأطير في منظومات قانونية وتعليمية وسياسية وضعية، أي تفقد سمات الوحي والضمير والاتباع الديني، وتصبح مدونات نصيّة، تتسم بترتيب عقلاني- برهاني موحد، وتطبقها أجهزة مادية، لا تمتلك ضميراً شخصياً، هي مؤسسات الدولة.

فتنتقل السيادة إلى جهاز الدولة، والشرعية النظرية لـ«الشعب» بعد أن كانت سابقاً، في عهود الإمبراطوريات القروسطية المقدسة، موزعة بين أطراف كثيرة، لا تمتلكها تماماً، بل تكتسبها بوحي من الرب، مالك الشرعية الوحيد والمتعالي.

يمكن القول إن «الإسلام» كان دوماً الأسطورة المؤسسة للدولة الحديثة العربية منذ نشأتها، فهو «دين الدولة» ومصدر التشريع، فضلاً عن كونه العامل المؤسس للقومية العربية، التي يبتدئ تاريخها الفعلي مع الفتوحات العربية الإسلامية، وبفضله أصبح العرب أمة واحدة، حسب الرطانة القومية المعروفة.

وقد تم نشر هذا «الإسلام» الأسطوري عبر المدارس والمحاكم ووزارات الأوقاف ودور النشر ووسائل الإعلام التابعة للدول العربية.

الإسلاميون لا يختلفون هنا كثيراً عن الحكّام «العلمانيين» للدول العربية، اللهم إلا المزاودة عليهم في مدى قسوة فرض تلك الأسطورة المؤسسة على البشر، الذين باتو شعباً مسلماً.

ويمكن اعتبار الإسلاموية نزعة قومية، استبعدت العروبة إلى حد ما، لحساب تعيين أكثر اتساعاً لخريطتها القومية، التي صارت ممتدة على طول العالم الإسلامي وعرضه.

ولذلك فالحديث عن «حتمية ثقافية» يقودنا دوماً إلى دول وقوى سياسية، نشأت في شرط تاريخي معيّن، وليس إلى جوهر ثابت لدى «الشعب المتديّن بطبعه».

سقوط مدن الله فكرة الجوهر الثابت لم تعد مقنعة غالباً لمعظم الباحثين في الإسلاميات، لذلك تم استبدالها بالحديث عن «التقليد الإسلامي».

فعلى خلاف «الثقافة الشعبية» المرتبطة بالتحديث والنموذج المعاصر للدولة، يقوم التقليد على مجموعة من الطقوس والعادات والأعراف المجتمعية، السابقة للتحديث، والتي يمتزج فيها الوحي والشرع الإسلامي بيوميات المجتمعات الأهلية، مشكلين إطاراً أخلاقياً عاماً، مختلفاً بشكل بنيوي عن القانون الحديث، وتعالي سيادة الدولة.

التحديث بهذا المعنى كان اعتداءً على التقليد، إذ استبدل الميل الأخلاقي الروحاني للمجتمعات الإسلامية بنموذج من الحوكمة، يقوم على عناصر شديدة السلطوية: أجهزة الدولة العنفية والأيديولوجية؛ البيروقراطية المحايدة أخلاقياً؛ القانون الوضعي المدوّن؛ والأهم السيادة الحديثة غير المقيّدة بأي وازع، بنمط عقلانيتها الأداتي، الذي يعتبر كل شيء، وكل إنسان، عنصراً قابلاً للاستغلال في المركّب الحيوي – السياسي، الاقتصادي، وحتى الحربي للدولة.

الإسلاميون، وفق هذا المنظور، معتدون بدورهم على التقليد، ما داموا مصرين على ربط الحكم الإسلامي بنموذج الدولة الحديثة.

مشكلة هذا التفكير أنه يفترض دوماً وجود فردوس إسلامي مفقود، يمكن أن يشكّل بديلاً لمظالم عالمنا.

وبغض النظر عمّا إذا كان العصر الذهبي للتقليد الإسلامي مثالياً لتلك الدرجة، فإن التقاليد السابقة للدولة الحديثة قامت على عقائد لن ترضي أي متحمّس للشريعة الإسلامية اليوم، مثل عقائد القربان وتقديس الأولياء والسحر وزيارة الأضرحة، المندثرة إلى حد كبير، نتيجة جهود حركات الإحياء الديني، التي تبنّت الدول الإسلامية المعاصرة جانباً كبيراً من أيديولوجيتها، وأسلوبها الذي لم يخل من العنف والدموية، في نشر «الإسلام الصحيح» البعيد عن السحر والخرافة.

ربما كان المنظور الرومانسي لـ«حاكمية الإسلام» العائد لسيد قطب، هو التعويض الوحيد الممكن عن فردوس التقليد الإسلامي الضائع.

فبعيداً عن تغريب الدولة الحديثة، وأنماط سيادتها الدنيوية، حلم قطب وأنصاره بمجتمع إسلامي أخلاقي، السيادة فيه للوحي المقدس مباشرة، ما يقيم مدينة الله، المخالفة لفساد واستغلال مدن الإنسان.

وهو ما أنتج على أرض الواقع حكم الملالي في إيران، وممارسات «القاعدة» و«داعش» التي نفّرت الناس من الإسلاموية، وساهمت فعلياً بتراجعها السياسي.

إسلام التظلّم يمكن هنا طرح سؤال مهم: مع اضمحلال نموذج الدولة العربية الحديثة عقب الربيع العربي، و«الإسلام» أسطورته المؤسسة؛ ومع اندثار التقليد، وغرق محاولات الإحياء الديني بأشكال متطرّفة ومنفّرة من العنف والإرهاب، ما الذي يمكن أن تقدمه الإسلاموية، بوصفها دعوى سياسية؟ ربما يجب ترك الإجابة للإسلاميين أنفسهم.

ما يمكن تأكيده أن انصراف المجتمعات العربية عن الإسلام السياسي لا يعني بالضرورة أنها أصبحت أكثر تنوّراً أو تطوّراً، بل على الأغلب بسبب يأسها من نمط من اليوتوبيا، لم يؤد إلا إلى مزيد من تدهور أحوالها.

قد يكون للإسلاموية مستقبل مأساوي نوعاً ما: أيديولوجيا تظلّم هوياتي، تشتكي دوماً من إقصاء الإسلام والمسلمين، وتهميشهما، وتقوم بأعمال عنيفة دورية للفت الانتباه، دون أي مطالب أو برامج سياسية واضحة.

وهذا قد يحفظ لها مكاناً بين أيديولوجيات التظلّم المعاصرة، لكنه لن يعيدها إلى مكانتها السابقة، بوصفها أيديولوجيا سائدة صعبة الهزيمة.

كاتب سوري

الوكالات      |         (منذ: 1 أشهر | 9 قراءة)
.